السبت، 23 نوفمبر 2013

أصوات وبنادق

بحدة أوضح من الماضي، عكست معارك الإنتخابات التي جرت في القرى والبلداتالعربية في إسرائيل هزلية المشهد وتراجيديته في آن واحد.
بالخلاصة، كانت تلك تجربةً عبثيةً افتقرت إليها مسارحنا فعوّضتنا عنها الحياة بفصولولا في الخيال .الذروة تجلّت في "القفلة"؛ عندما قررت قيادة جبهة الناصرة التوجه إلىالمحكمة بطلب لاستصدار أمر يمنع مأمور الانتخابات من الإعلان عن النتيجة الرسميةوذلك لوقوع خلل، وفقًا لما قدّم من إدّعاءات، في فرز صندوق احتوى على ما أسمي"أصوات الجنود".
هاجت الدنيا وماجت. لم يتخلّف أحد من توجيه حرابه والانقضاض على الجبهة.كثيرون ممّن انضموا لهذه الجوقة كانوا من المزايدين والانتهازيين.
من الواضح أن لجبهة الناصرة حق، كما لكل طرف مدّعٍ بحق ضائع، أن تحاولتحصيل حقها وتأمينه حتى إذا استدعى الأمر التوجه إلى القضاء الإسرائيلي ولكن تبقىالحكمة بإخضاع مجمل القرارات، لا سيّما التكتيكية منها، إلى طائل الربح والخسارة فيأبعادها الوطنية العامة والاستراتيجية.
محاولة بعض الناطقين باسم الجبهة تبرير تلك الخطوة بكونها تكتيكًا استهدف كسبالوقت للوقوف واستكشاف بواطن الخطأ والضياع، كان إدّعاءً واهيًا وليس على قدرالصدمة والخيبة. وهو، بمقاسات الربح والخسارة، سبّب خسائر فادحة للجبهة الأم تعدّتأرباح وخسائر جبهة الناصرة المفقودة والمدّعى بها، علاوة على ما تركه ذلك من زعزعةوبلبلة في الموقف الوطني العام.
بالمقابل فإن ما صرّح به النائب حنا سويد بأن جميع القوائم والرؤساء اعتمدت وتعتمدعلى أصوات جنود ورجال أمن ولذلك لا تنفرد الناصرة بهذه المسألة هو إدّعاء ذو أبعادمركّبة يستوجب التوقف عنده.
لقد أصاب النائب سويد كبد الحقيقة والواقع. ففي كثير من البلدات والقرى العربية فيإسرائيل يشارك جنود ورجال شرطة وأمن وحرّاس مصلحة السجون ورجال حرس الحدودوغيرهم في الانتخابات. بعضهم يشارك كمصوّتين وبعضهم كمرشحين. في جميع الأحواليمارس جميع هؤلاء أدوارهم كأفراد متساويين بالحقوق والواجبات مع باقي أهل القرى والمدنويقومون بذلك بانسجام كامل مع قوانين السوق وتفاعلات اللعبة في كل موقع وموقع. يتحالفون من خلال أطرهم العائلية أو "الحزبية" أو الطائفية في قوائم محلية وأحيانًا تنافسهذه القوائم باسم حزب وطني وحركة قومية وتتشارك مع آخرين لدعم هذا الرئيس أو لإنجاحتلك القائمة. لكثرتها، لا مجال لوضع جدول بأسماء تلك القوائم والشخصيات التي شاركتفي قرى الجليل والمثلث والكرمل والنقب وفي بعض المواقع مثلت حركات وأحزابًا شاركقادتها بالهجوم على جبهة الناصرة.
القضية تكمن بما آلت إليه أحوال مجتمعاتنا العربية التي ترزح تحت عبء هذهالمستجدات وبعضها أطلقتُ عليه في أكثر من مقالة صفة "الديليما/ الورطات" التي تبحثعن حلول وطنية ومواقف.
قبل أن أشير إلى ما قلته عن تلك المستجدات بالماضي ولم يحظ بأي التفاتة من قادةالجماهير العربية وأحزابها خاصةً ممّن أطلقوا سهامهم على قادة جبهة الناصرة، قبل ذلك،أود أن أقول للنائب سويد: بما أنك قدّمت إدّعاءً واقعيًا صحيحًا وبما أن بعض الرؤساءوالقوائم المنافسة في القرى والبلدات العربية تُنتخب وتنتصر بأصوات جنود ورجالات أمن،على تفرعاته، كان من المفترض أن تبلور الجبهة الديمقراطية موقفًا رياديًا سبّاقًا إزاء هذهالمسألة ومستجدات أخرى كثيرة تتخبط بها مجتمعاتنا. لقد دفعت وستدفع الجبهة ثمن عدم"تميّزها" الوطني عن باقي القيادات وما جرى في الناصرة هو أكبر دليل على ضياعالبوصلة وإتاحة فرصة لكل "حلق وفم" أن يفتح نيرانه على الجبهة حتى وإن فعل ذلكبعضهم بمسدسه المرخص إسرائيليًا أو كلاشينكوفه. "مثلي مثلكم" ليس بحجة ودفاع مقبولينممّن يُنتظر منه أن يبقى قائد هذه الجماهير ومخلّصها في زمن الورطات والهزائم.
القضية أكبر من حفنة أوراق ضائعة في هذا الصندوق أو ذاك؛ كانت القضية ومازالت، مَن يقرر لهذه الجماهير ماذا؟ مَن يفتي لها وما تعريف العيب؟ مَن يجيز ومَن يمنع؟وما تعريف الكبيرة؟ القضية تكمن في ما طرحته شباك حياتنا في هذه الدولة من تشوّهاتو"ورطات". حادثة "أصوات الجنود" عرّت واقعًا تعيشه مجتمعاتنا ولم يحظ برعاية ملائمة منقبل مَن تصرّف على أنه قائد لهذه الجماهير.
"هل عمل العربي منّا في وزارة الشرطة متاح ومسموح يا وطن؟ هل نطالب بأن يكوننائب قائد الشرطة العام عربيًا منّا؟ وإن كان ذلك محظورًا وطنيًا فهل نطالب أن يكون قائدالمنطقة الشمالية عربيًا منّا؟ هل نقبل أن يكون قائد شرطة مكافحة المخدرات أو قائد شرطةالسير عربيًا منا؟ هل قيادتنا تملك موقفًا إزاء كل ذلك؟ وماذا يقول الشيخ والقائد والوطنلجاره السائل: "هل أنا مخطئ أو مَعيب أو خائن إن من أجل عيشي لبست الكحلي وصرتشرطيًا؟!
ماذا نقول لآلاف السواعد التي تخدم في مصلحة سجون الدولة. من أصغر السجّانينإلى أعلى المراتب والسلطة والنفوذ. هل صمت الفراشات حل وموقف؟ وكيف لأولئك أن لايفهموا صمت الوطن موافقة ورضا؟".
هكذا تساءلت قبل عام كل القيادات طنّشت وتهرّبت وبضمنها مَن شارك في وليمةالناصرة التي فيها قلت في ذلك المقال: "فأين أيام كانت الناصرة تسطّر بالأحمر ربيع بلاديالأخضر؟ وهذه الناصرة اليوم تزوّدنا بكل أسباب الفرح وأسباب الترح كذلك".
أين هي تلك الأيام؟ درب جماهير هذه البلاد ما زال مليئا بالحفر وجيوش العاطلين عنعمل وطني والانتهازيين والمزايدين تنتظر على حافة البئر. من يقرر ماذا؟ فهل علينا أنننتظر فصلًا قادمًا من مسرحية المزايدة والسقوط.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق