---------------------------
دخل مجند من الجيش النظامي غرفة الحرس الصغيرة بعد نداءات الاستغاثة المتكررة ، قبل مغيب الشمس سحب ثلاث جثث كادت رائحتها تقتل من تبقى في ذلك المكان ، ناشده من تبقى أن يحضر رغيف خبزهم اليومي ، ولتر ماء الشرب خاصتهم ، ظناً منهم أنه نسيهم بلا ماء ولا طعام منذ ثلاثة أيام ، ولكنه فاجأهم :
- جيشكم الحر الخائن يحاصر جنوده الساهرين على أمنه ، هو ينجز مالم تستطع إسرائيل إنجازه ، والمؤونة مقطوعة عنا وعنكم ...!
ألقى عباراته بعصبية و ازدراء مغلقاً الباب الحديدي خلفه ، تاركاً ماتبقى من جسد نحيل لشاب ثلاثيني كان يضج حيوية قبل اعتقاله بستة أشهر في هذا المطار العسكري ، الذي أضحى نقطة انطلق توزع صواريخ الموت ، ومدافع الرعب على جميع قرى المنطقة الشرقية بدرعا، وآخر في السابعة عشرة من عمره ، يبدو كشبح هيكل عظمي ، لما تبقى من شاب اعتقل بسبب المشاركة بالمظاهرات ، ولكنه اليوم يبكي تارة ، ويئن تارة ، ويضحك ضحكات صاخبة هستيرية تارة أخرى ، تركه المجند بعد أن وقف أمامه باستعداد يهتف :
- الله ... سوريا ... بشار وبس ....
وكأن اللاوعي احتفظ بآخر عبارات طلب منه ترديدها قبل أن يفقد عقله ...
جلس القرفصاء خلف ذلك الباب الحديدي الذي أوصد دونه ، يعد على أصابعه ، وكأنه يحاول أن يحصي ماتبقى من ساعات أو أيام ولربما أشهر في ذلك المكان البارد ...
وترك ثالثاً ممدداً منذ أكثر من شهر، لا يستطيع الحراك بسبب إصابة في الساق ، ولكن الجرح المهمل أصابه التهاب حاد ، وبدأت الغرغرينا تنهش ساقه ، وبدأ الموت يأخذ طريقه إلى ذلك الجسد ...
البرد كان شديداً في تلك الليلة ، وانتهى الكلام الذي يقال ، ولكن أصوات تبادل إطلاق النار بدأت ، اعتاد عليها الثلاثة داخل غرفتهم ، منذ أسبوع وأكثر ، واشتدت حدتها وبدأ القلق يبدو على الأسرى الثلاثة :
- أتظننا سننجوا ! يبدوا أن الجيش الحر يشن هجوماً قوياً هذه الليلة ، أظنها ساعات حاسمة
( حاول ابراهيم الرجل الثلاثيني مواساة مايموت أمامه من جسد قاسم الذي قال له متنهداً )
- وما الفائدة !! أن أموت هنا بين جدران السجن ، بعيداً عن عيون تنتظرني ، خير من أن أموت ألف مرة بين عيون ستبكيني حتى أموت ...!
يكفيهم لوعة الانتظار ، دعهم يرسمون صوراً جميلة لموتنا ..
- ( مسح ابراهيم دموعه بيديه ) وكل الله ستخرج ، وستعود إليهم ، وستنجو بإذن الله ، سيفرحون بك ، وأقسى ماهناك أنك ستفقد ساقك التي أصيبت والتهبت جراحها ، سترى !
قطع حديثهما قفزة للشاب ، الذي بدأ يدور في الغرفة ويهتف
- الله سورية حرية وبس ، الله الله الله !
ثم جلس القرفصاء في زاوية الغرفة يئن ويبكي
وأفضل مافي الغرفة أنها كانت غير مضاءة ، فسترت عتمتها دموعاً غزاراً سالت من ثلاثة من أخوة وطن ، قسى عليهم الوطن ، وغضب عليهم قادته ، و تركهم بعد أن سرق منهم إنسانيتهم ...!
اقتحم الجيش المطار العسكري في فجر تلك الليلة ، وأعلن تحرير ثلاث أسرى من القرى المجاورة ، ولكن لم يخطر ببال أحد ممن رأوا صور الأجساد النحيلة ، أنهم عاشوا لحظات أكثر من عصيبة ، وأنهم خرجوا بآلام ستحملها معهم عائلات سرق منها الوطن فلذات أكبادها رجالاً أشداء ، وأعادهم أوجاعاً لقلوبٍ لم يعد فيها متسع لألم وبكاء ...! حسبك أيها الوطن ...حسبك رثت أجساد وقلوب ساكنيك من الهموم .. حسبك لم نحسبك قاسياً هكذا ...!
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق