{{ تاريخُـنا قِـصَّـةٌ تُـروى }}
{{ على أســـوارِ دمشــــــــقَ }}
{ ١ }
و تراءت لعينيه أسوارُ دمشقَ ، فحثَّ الخطى و هو يتعثرُ بسيفِ أبيه الذي يفوقُـهُ طولاً .
كان صخْـرٌ الحموي ، ابن الخامسة عشر عاماً ، سمعَ بوصول التتار إلى دمشق ، و بتخاذُلِ الناس عن نصرتها بسبب الهَـلَـعِ الذي ملأ نفوسَهم ، فحمل سيفَ أبيه الـمُتَـوَفَّى ، و قَـبَّلَ جبينَ أمِّهِ و هي نائمةٌ ، و أسرَّ لصديقٍ له بِـنِـيَّـتِـهِ راجياً إيَّاهُ أن يُبلغَ أمَّـهُ ، و اندفع يسير على طريق القوافل جنوباً . و كاد يلقى حَـتْـفَـهُ مراراً عندما هاجم اللصوصُ و قطاعُ الطرقِ القوافلَ التي رافقها في مراحلَ مختلفةٍ من الطريق . أما الجوعُ ، فإنَّ الغريبَ لا يجوعُ في الشامِ ، لأنَّ أهلَها يُبَـدُّونَـهُ على أنفسِهِـم . ففي المساجد و الكنائس و البيوتِ أناسٌ كثيرون يُقَـدِّمون الطعامَ و الشرابَ لطالبيهما دون مقابل .
••••••••••••••••••••••
تَبَـدَّتْ دمشقُ لعينيه غادةً حسناءَ مُدَلَّلَـةً ، تستلقي بنعومةٍ على الغوطةِ و المزارع ، مُتَّـكِئةً على قاسيون و التلال المجاورة ، مشغولةً بجمالها عَـمَّا حولها . فسحرتْـهُ المدينةُ الخالدة ، و أخذ يتنفس هواءها ، و يسمعُ بأذنِ قلبه صهيلَ خيولِ هشامٍ الخارجةِ للفتوح ، و حفيفَ ثوبِ ابن عبدالعزيز و هو يجول في الأزقةِ و الشوارع ، و نفثاتِ السِّـحْـرِ في شعر جرير ، و همساتِ الأخطلِ ... كانت دمشقُ مجداً نقياً و روحاً يملأ الأكوانَ عِـزَّةً و سمواً . و دخلها من ناحية غوطتها الشرقية التي لم يَـعِـثِ التتارُ فيها فساداً كما عاثوا في الصالحيةِ و الـمَـزَّةِ ، فقتلوا المئات و خَـرَّبوا المزارعَ و نهبوا البيوتَ ، ناقضينَ عَهْدَهُـم الذي أبْـرَمَـهُ ابنُ تيمية مع قائدهم قازان الذي اتَّخَـذَ بلدةَ النَّـبْـكِ مقراً له .
••••••••••••••••••••••••
- أين مقرُ الجيشِ ، يا عَـمَّاه ؟ .
سألَ صخرٌ رجلاً عجوزاً جالساً في ظلالِ شجرةٍ عند بابِ بيتٍ قريبٍ من المسجد الأموي . فنظر إليه بعينين غَزَتْـهُما السنونُ و استلَّتْ قدرتَهما على الإبصار ، و شعر بشفقةٍ على الفتى ذي اللهجة الغريبة ، و لم يُـرِدْ كَـسْرَ حماسته بالقول إنَّ الوالي و الـمُحتسب قد فَرَّا إلى مصر و إنَّ الجيشَ مُشتَّتٌ بلا قادةٍ ، فأشار باتجاه الغرب . فشكره الفتى و سار مبتعداً ، فناداه العجوز :
- يا بني .
- لبيك يا عَـمَّاه .
- انتظر قليلاً .
ثم نادى بصوتٍ عالٍ :
- يا فاطمة ، جَهِّـزي زُوَّادةً لضيفنا .
- يا عَـمَّاه ، جزاك الله خيراً ، لكنني لا أريد أن أُثْقِلَ
عليكم .
فابتسم العجوز بحنانٍ و هو يشير إليه أن اجلسْ ، فجلس و قلبه مملوءٌ امتناناً و حباً للرجل و دمشق و أهلها .
••••••••••••••••••••••••••
صلى صخرٌ العصرَ و سار غرباً ، و لفتَ نَظَـرَهُ الناسُ يسيرون زرافاتٍ و وحداناً في نفس الاتجاه ، و سمعَ اسمَ ابن تيمية يتردد كثيراً . كانوا يتحدثون عنه بنوعٍ من التقديسِ و الإجلالِ ، فالشيخ الذي سُجِـنَ لأنه جَـدَّدَ في الإسلامِ ، و أكَّـدَ دورَ العقلِ ، و أثبتَ أنَّ مصالحَ الناس و حقوقَـهُـم أولى أنْ تُراعى و تكون مقياساً للحُـكْـمِ ، لم يفرَّ ككثير من المشايخ و كبار رجالات الدولة ، و إنما بقي بين الناس يدعوهم للثبات و يمارس دورَ رجلِ الدولةِ في التفاوضِ مع التتارِ ، و جَـمْـعِ الـمُناصِرينَ . .
و وصلَ إلى ساحةٍ كبيرةٍ ، احتشد الناسُ فيها كأنهم في يوم الحَـشْـرِ ، فأخذَ يقترب من مركز حَشْدِهِـم يساعدُهُ جسمُـهُ النحيلُ على المرور بينهم حتى وصل إلى فسحةٍ اجتمعَ فيها المشايخُ و كبارُ التجار و مَنْ بقيَ من قادة الجيش ، و لفتَ نظرَهُ قسيسان طاعنانِ في السنِّ بينهم . و رغم الحشودِ إلا أنَّ السكون كان سائداً ، فالناس يتلقفون ما يقوله الـمُجْـتَـمِـعونَ و ينقلونه همساً لِـمَـنْ وراؤهم .
كان ابن تيمية يتحدثُ بصوتٍٍ تشيعُ في نبرته قوةٌ و حماسةٌ تَـهُـزَّانِ قلوبَ سامعيه ، و يشيرُ بيديه إلى السماء فيشعرون أنَّ أجنحة الملائكة التي تُظَـلِّلُ الشام تَـخْفِـقُ نُصْـرَةً لهم ، و يذكر الشهادةَ فيشمون رائحة المسك التي تنبعث من الشهداء يوم القيامة ، و يذكر المصطفى ، صلى الله عليه و آله و سلم ، و الأنبياءَ و الرُّسُلَ الكرامَ ، عليهم صلوات الله و سلامه ، فيلتفتون حولهم شاعرين بوجودهم بينهم ، ينظرون بأعينِـهِم الشريفةِ إليهم و هم يدعون لهم بالنصر .
كان يتحدث داعياً الناسَ للثباتِ ، و التُّـجَّارَ و الأثرياءَ لمساعدة الناس في مِـحْـنَـتِـهِـم و تجهيزِ المقاتلين ، و الجميع يُومِـئون بالموافقة . ثم أشار باحترامٍ إلى أحد القسيسين ، فوقف و تحدث داعياً الجميعَ للثبات و بخاصةٍ النَّصارى ، لأنَّ أهلَ البلاد في مركبٍ واحدٍ يُهَـدِّدُهُ نفسُ الخطرِ ، فَهَـلَّلَ الحاضرون و كَـبَّروا ، و اشتدت حماسَـتُهُـم للدفاع عن دمشق و مقاتلة التتار .
و انفضَّ الناسُ و الأملُ يملأُ قلوبَـهُم بنصرٍ قريبٍ . فاتجه صخرٌ نحو ابن تيمية ، و ناداه :
- يا شيخنا .
فالتفتَ إليه الشيخُ الجليلُ ، و ابتسمَ و هو يرى معاناته في جَـرِّ السيفِ الثقيلِ ، و حدثَ نفسَـهُ قائلاً : ( للهِ دَرُّكُم يا شبابَ هذه الأمةِ ، إنَّ النصرَ معقودٌ بكم ) . ثم قال :
- لبيك يا فتى .
فاقترب منه و أهوى بفمه على يده مُقَـبِّلاً ، فسحبها الشيخُ مستغفراً الله .
- يا شيخنا ، إني من حماة ، و لا أعرف أحداً هنا ،
فَهلَّا أشرتَ عليَّ .
ازدادت ابتسامة الشيخ اتِّساعاً و شعرَ بعِـظَـمِ مسؤوليتِـهِ أمام الله ، و كيف لا ، و الناسُ قلوبُهم مُعَلَّقَـةٌ بكلِّ كلمةٍ يقولها . و قال :
- يا فتى ، رافقني و ستجد خيراً إنْ شاء الله .
فكادَ قلبُ صخر يتصدعُ فرحاً ، و اغْـرُوْرِقَـتْ عيناه بدموع الفرح و الامتنان ، فقدَ بلغَ ما لا يخطرُ له على بالٍ ... أيُرافقُ ، هو الفتى الصغير السِّـنِّ و القَـدْرِ ، شيخَ الإسلامِ الذي ملأتْ سيرتُهُ الدنيا و شغلتِ الناسَ ؟ . و أدركَ الشيخُ ما يُخالجُ نَفْـسَ الفتى فمَـدَّ يَـدَهُ يحملُ عنه السيفَ الثقيل ، و داعبَ رأسَهُ بحنانٍ أبويٍّ ، ثم سار برفقةِ مَـنْ معه من رجالات دمشق ، و تبعه الفتى و السعادةُ تطويه و تنثر في فؤاده بذورَ الأملِ .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق