اشتدت حمّى الثورة ، واشتعلت مظاهراتها في أغلب المدن السورية ، كنت أدرس اللغة في مدارس الرقة ، بعد تخرجي ولكن وبسبب الأوضاع الأمنية تم نقلي إلى مدرسة إعدادية من مدارس ريف درعا ... وصلت البلدة لأول مرة ، وماإن دخلت باب المدرسة حتى فوجئت بأطفالها يجلسون على صعيد واحد وعيونهم متعلقة بأضخمهم الذي مالبث أن أشار بيده حين رآني ، فقفزوا إلى الأعلى يهتفون ويلوحون بأيديهم ، تفاجأت بهذا المد الثوري لأطفال أعمارهم لاتتجاوز الرابعة عشرة .. وكنت ممن وقف على الحياد في هذه الثورة ، وبكل صدق وقفت وفكرت الاتصال بموجه المادة لنقلي من هذه المدرسة التي تعتبر مصيبة أمنية لمدرس في بداية حياته العملية ،وتفاجأت بمدير المدرسة وقد خرج لاستطلاع مظاهرات طلابه ، فوقف هاشاً باشاً بمدرّسه الجديد ، ووقفت أتعارف معه على باب البناء الداخلي للمدرسة ، واسترعى انتباهنا وقوف حافلة وقفت بباب المدرسة ، ونزول سيدة في العشرينيات من العمر ، ظاهرة التبرج والأناقة ، و رجلين في الثلاثينيات من العمر يحملان بعض الأدوات والأكياس في أيديهما ، وأروع وأغرب ماحصل أن عيون رجال الغد أطفال مدرستنا رصدت دخولهم ، وفي حركة أكثر من شجاعة ، وأبدع من أنها ذكية تجمع الطلاب حول الوفد الداخل إليهم ، وصاحوا بصوت واحد :
- كاذب ، كاذب ، كاذب ..! الإعلام السوري كاذب!
وأسقط بيد المدير الذي عبثاً ثارت ثائرته ، فلا صوته يصل ، ولا حركات يديه المهددة والمتوعدة تطفئ ثورة اشتعلت في ساحة المدرسة ، وسرعان ماخرج بعض رجال الجهاز الإداري للمدرسة ينقذون ضيوفهم من حماسة كادت تلتهمهم ، ودخلت مع مضيفي وراءهم إلى غرفة مدير المدرسة، يدفعني الفضول ، وتفاجأت أن طلابنا الأكارم أخطؤوا الهدف ، فالوفد هم مسؤولون من وزارة التربية يحضرون وسائل تعليمية للمدرسة ، التي غرق مديرها في الاعتذار والتبرير لهتافات صغاره ، ولم أستطع إلا الاعتذار والخروج من المكان إلى بهو المدرسة تاركاً ورائي ضحكات فخر واعتزاز التمعت في عيون الجهاز الإداري و التدريسي بطلابهم ، وشابة ثارت ثائرتها ، لحرية أفلتت الخيل من عقالها ، ويجب إعادة التربية لهذا الجيل ، ويجب تصحيح مسيرته ، وآخر اقتراحاتها يجب أن يتصل المدير بالأمن لضبط النظام في المدرسة ، وكان الثلاثيني بجانبها يلتزم الصمت ، ولكنه يهز رأسه مؤيداً أحياناً ، أما الثالث فكان يجلس غير مبالٍ بما حدث ، ويعتبر هؤلاء مجرد صغار يقلدون ، تركت ورائي الجدل والأصوات المرتفعة ، وخرجت إلى ساحة المدرسة التي عادت إلى طبيعتها فالبعض يلعبون كرة القدم وآخرون يقفون أمام بائع المدرسة ، وفريق تراكضوا إلي :
- أنت مدرسنا الجديد !!
- نعم !!
- لماذا تستقبلونهم ؟؟ جاؤوا يصوروننا !! نحن لسنا مؤيدين نحن مع الثورة ..!
كانت كلماتهم واضحة ، لالبس فيها ، إنهم اتخذوا قراراتهم ، وبدأت أشرح لهم أين أخطؤوا ، وانتهى الأمر في مباراة جمعتنا في يوم ربيعي رائع ! وخرجت في ذلك اليوم والأطفال يتراقصون حولي ، ولكنني شعرت أنني ولدت في ذلك اليوم من جديد ، ودعني صغاري ملوحين بأيديهم ولكنهم تركوا معلمهم يقيّم حياته من جديد ، في وطن على مفترق طرق ....!
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق