الخميس، 5 ديسمبر 2013

لَقَدْ هَزَّتْني هذهِ المُخابَرَةُ الهاتِفِيَّة: أبْكَتْني وأسْعَدَتْني، أحْزَنَتْني وسَرَّتْني، واخْتَلَطَتْ فيها مَشاعِري وخَواطِري ويا لَيْتَني كُنْتُ أسْتَطيعُ نَقْلَها لَكُمْ بكامِلِها، أو أسْتَطيعُ نَقْلَ القَليلِ الذي أنْقُلُهُ مِنْها بلُغَةِ صاحِبَتِها البَسيطَةِ الصّادِقَةِ المُعَبّرَةِ المُؤَثِّرَة.. أمّا حالُها ودُموعُها وهيَ تُكَلِّمُني، فمن الذي يستَطيعُ أن يُتَرْجمَ لُغَةَ القُلوبِ والدُّموع؟!! „والدي الغالي، واسْمَحْ لي بأن أدعُوَكَ والدي، فقد تُوُفِّيَ أبي وأنا طفلَةٌ صغيرة.. أنا بحاجَةٍ إلى أن أتحدَّثَ إليكَ يا والدي، وأفتَحَ لَكَ قلبي.. أنا بحاجةٍ شديدةٍ إلى سَنَدٍ روحِيٍّ ونفسِيّ، فأنا أخشَى أن أضْعفَ وأنْهار.. نفسي تَموتُ معَ كُلِّ شَهيدةٍ وشهيد دُموعي تنسَكِبُ مع كُلِّ ثاكِلَةٍ وثاكِل، ويَتيمَةٍ ويَتيم أتَعَذَّبُ وأُعاني مَعَ كُلِّ أسرَةٍ مُشَرَّدَةٍ لا تَجدُ الغذاءَ ولا الدَّواءَ ولا المأوَى ولا الأمْن إسْتُشْهِدَ وَلَدي الوَحيد قبلَ شُهور كانَ شابّاً جميلاً ظريفاً ذَكِياً مُتَقَدِّماً في دراسَتِه، محبوباً من أصحابهِ وأهلِه.. وكانَ بارّاً كريمَ النفسِ والخُلُق، حميدَ الأثَرِ والذِّكرِ حَيْثُما وُجد وكانَ مؤمِناً تَقِيّاً مُستَقيماً غَيوراً أصدَقَ الغيْرَةِ على دينِهِ وأُمَّتِهِ ووطنِه.. خرَجَ ذاتَ يومٍ شأنَهُ كُلَّ يومٍ معَ أصدِقائِهِ ورِفاقِه، لِيَكونَ معَ شعبهِ وأبناءِ وطنِهِ في تَحَرُّكِهِمْ لِتَحريرِ الشّعبِ والبلادِ مِنَ الظّلمِ والطُّغيانِ والاستبدادِ والفساد، واسترْدادِ حُقوقِ الشّعبِ للشّعب.. خرَجَ ولَمْ يَعُد.. بعدَ أيّامٍ لا يَعْلَمُ فَزَعَها وقَلَقَها وهَوْلَها إلاّ الله.. أعادوا إلَيَّ وَلَدي قَتيلاً دامِيَ الجسْمِ مُمَزَّقَ الجسْمِ مِنَ التّعذيب!!! وَدِدْتُ لَوْ أموتُ كُلَّ يومٍ مئَةَ مَرَّة ويَبْقَى وَلَدي؛ ولكِنَّهُ قَضاءُ الله، وأنا امرَأةٌ مُؤْمِنَةٌ بالله، راضِيَةٌ بقَضاءِ الله، ومُؤمِنَةٌ بالهَدَفِ الصّحيحِ النَّبيل الذي اسْتُشْهِدَ في مَطْلَبهِ ولدي.. أنا أرْعَى الآنَ في بيتي - يا والدي - ثلاثَةَ أطفالٍ صِغار من أبناءِ جيراني لَمْ يبْقَ لَهُم منْ يَرْعاهُم إلاّ الله.. لا لا يا والِدي، أنا لا أحتاجُ إلى أيِّ سَنَدٍ أو دَعْمٍ ماديّ؛ ولكِنَّني أحتاجُ أمَسَّ الحاجَةِ إلى دَعْمٍ روحِيٍّ ونفسِيّ؛ فأنا تَمُرُّ بي أيّامٌ تُظلِمُ فيها في عَيْنَيَّ الدُّنيا، ويَفْتَرِسُني فيها الحزنُ والأسَى، وأبكي وأبكي وأبكي كأنَّني تَسَلَّمتُ جُثْمانَ ولَدي اليومَ أو أمْس، وكُلُّ شَهيدٍ أُحِسُّهُ الآنَ ولدي..“ يا قُرّائي وقارِئاتي.. ماذا تَقولونَ لهذِهِ السَيّدَةِ المُؤمنَةِ الكريمةِ المفجوعَةِ المعطاء، وأمثالِها مِنَ الأخواتِ الكريماتِ المَفْجوعاتِ في دِيارِ الشّام؟

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق